• قضايا وحكايا

    عذابات السوريين والحاجة إلى العذوبة

     “أكبر عدو للسلطة، وأضمن طريقة لتقويضها، هو الضحك”   لاحظت حنا أرندت أن “أكبر عدو للسلطة، وأضمن طريقة لتقويضها، هو الضحك” في اشارة إلى أهمية السخرية وقدرتها على التعبير عن مكامن الخلل في علاقتنا بالسلطات المتعددة القابضة على مفاصل حياتنا. مجموعة “الميمز” احدى المجموعات الساخرة التي تستطيع بوخزة عذبة أن تنكأ دمامل صلبة متجهمة تخفي وجوهاً متعددة من القبح الرصين والتسلط المقدّس. احدى منشورات الميمز تتناول “الصراع” المرير بين المرأة والرجل: تتأمل المرأة في “سي السيد” المُشتهى لتخلص إلى تصنيف حاسم جازم لمراحل تطوره (متجاهلة مسؤوليتها ومسؤولية المجتمع أساساً) كما يلي: “مراحل نمو الرجل: طفل غليظ، مراهق متهور، شاب صايع، زوج خاين، أب مهمل، ختيار داير بالبيت عم يطفي اللمبات”!…

  • قضايا وحكايا

    ضوء ومنشفة و لايك

    في الأغنية الفيروزية، تحتفل العاشقة بحبيبها، وتخبرنا عن ميزاته: فهو ليس الفارس المغوار ولا المقاتل البطل ولا الزعيم المحنك وليس النجم الوسيم ولا الحبيب المُنكفء وقد أقعدته لواعج الهوى. إنه الرجل المشتاق ابن الواقع المعقد الذي يفهم شرطه ويعي قيوده، فيتحايل ويناور عبر “تكتيكات” يستلهم فيها الممكنات المتفلتة من حصار السلطات . فالعاشق متمرّد بطبعه، وها هو يقترح على حبيبته أكثر من وسيلة يستطيعان عبرها مدّ الجسور واجتراح الحلول تحدوه لهفة التجاوب وتوكيد العهود. “كل ليلة عشية قنديلك ضوّيه، قوي الضو شوية وارجعي وطيّه، بيعرفها علامة …” تفرح العاشقة بانتصارهما، فتخبرنا عن كشفهما في مسعى، مفعم بالزهو، لتعميم الخبرة. فالعشاق “أمة” متآخية متضامنة، والعاشق الحق هو من يحب كل العشاق…

  • ضحى عاشور
    قضايا وحكايا

    من حكايات الفرات: ربيعان وربيعة

    هذه “هناء”، ربيعتي. هكذا قدّمها “رائد” إلى أصدقائه في دير الزور شمال سوريا.  أردف “سائد” ضاحكاً مذّكِراً بوجوده: وأنا ربيعهما! في مشهد لا يُشبه غيره: كان ليل البادية الآسر يهبط على الجسر المعلّق الذي تهتّز عوارضه الخشبية تحت أقدامهم فتكاد تُفقدهم توازنهم. يُرافقه صوت نهر الفرات الطاغي ورذاذه المتطاير عبر فراغات العوارض ومن جانبي الجسر المسوّرين بحبال متباعدة. وكان بحوزة الثلاثة، هناء ورائد وسائد، تلك المفردة العجيبة: ربيعي. سائد ورائد هما أبناء عمّ. أما هناء فهي قريبتهما التي وصلت لأول مرة إلى دير الزور بعد وفاة والدها الشاميّ. كان الأخير قد ترك لأمها “ثروة” صغيرة ووصيّة حارّة بأن ترسل ابنتهما لتتعلم خارج سورية. وهكذا قرّرت الأم أن تُمضي هناء عطلة…

  • القلب البستان وحياة بحامضها وحلوها
    قضايا وحكايا

    القلب البستان، وحياة بحامضها وحلوها

    السكاكر أو البونبون أو “الدروبوس” كما ينطقها الحلبيون، تلك الحبّات اللوزية الملّونة، كانت بهجة طفولة عائلة ممتدة من الأبناء إلى الأحفاد، شملت المعارف والجيران، وسافرت مراراً مع أقارب كزوّادة دفء يسري في خاطر كل من عرف العّم أبو عبدو “القصير”. كان قصيراً بالفعل وراضياً بلقبه الذي ضمِن له تميّزه عن سواه من آباء العبد الكثيرين هناك. سكاكر القصير كانت “فلسفة” حياة ابتكرها وسعى لتطويرها ونشرها بكل ما أُوتي من عفوية وسلاسة ومثابرة. فها هي الخضراء المشبعة بعبق النعنع حاضرة لتداوي البلعوم، والصفراء للرشح والبرتقالية لتنشيط الجسد والكرزّية للقلب الشقيّ، أما البنيّة الفواحة بالعرق سوس فكانت للمزاج. وإلى جانب وظائفها الصحية المزعومة، ومتعتها الشحيحة، فهي كانت الخيط السحرّي الذي يشد رباط…

  • قضايا وحكايا

    تحت البلاطة

    “إنصاف لابن عمّها جمال”، جملة ولدت مع إنصاف، ورافقتها مثل إعاقة أليمة أليفة لا سبيل للفكاك منها. كان جمال راضياً عما امتلكه وهو صغير، لكنه أيضاً كان زاهداً بمُلك لم يسعَ له ولم يطلبه أصلاً. فما إن اشتدّ عوده حتى لملم ما استطاع من أموال الناس المكتتبين على شقق سكنية في جمعيته الوهمية، “التضامن”، وفرّ هارباً، مشهراً إفلاس شركته، مخلفاً وراءه فواجع وجراح طالت نحو مئة أسرة تجرأت على الحلم المشاغب بالسكن في شقة مستقلة عن بيت أهل الزوج. “أخرِجوا ما تحت البلاطة”، كلمة السرّ التي التقطتها إنصاف وفتحت بها أبواب بيت المال أمام جمعية ابن عمها المزعومة. بضع كلمات آمرة واثقة تعرف “البئر وغطاه”، حيث لم يعتد ناس ثمانينات…

  • وعود شراب اللوز الحلبي, ضحى عاشور
    قضايا وحكايا

    وعود شراب اللوز الحلبي

    حسناً فعلوا أهلها حين أسموها عَيّوش. ومَن مثلها كافح ليعيش رغم المرض والفقر والظلم وقلّة الحظ من الجمال والعلم والرعاية، ومَن غيرها مَلك الرضا والصبر حتى نالَ! عيّوش الحلبية السمراء (يصفونها في حلب العنصرية تجاه ألوان البشرة بالسوداء)، ويتندرّون على ضآلة حجمها وخلّوه من التكورات “اللّحام الشاطر لا يستطيع أن يشّف منها كيلو لحم”، “قفّة (سلّة) عظام اللهم عافينا”.. هذا تصنيف القريبات قبل الغريبات. عين الحب عين واحدة أنصفتها وحمتها من شرور العالم، عين ابن عمّها الذي بالفعل لم يكن له سوى عين واحدة تبصر والأخرى مظلمة. أرادها ولم تزده معارضة الأهل إلا طلباً، فصارت له زوجة وحبيبة. لم يكن بينهما قصة عشق، لا غزل ولا شعر، لا سهر ولا…

  • هواجس اللاجئين السوريين, ضحى عاشور
    قضايا وحكايا

    هواجس اللاجئين وصمتهم

    لا داعي أن تسأل عن السوريين في المُجمَّع. ستعرفهم بعد أول ذهول: هم الخائفون الحذرون المرتبكون الذين يتحدثون همساً وينقلون لك أبسط المعلومات بالإشارة والتلميح كما لو كانت أسراراً عسكرية! عدة عائلات سورية، وعائلتان فلسطينيتان اجتمعوا في مجمع  في العاصمة الفرنسية. كان الفلسطينيون أكثر انفتاحاً لكنهم خرجوا من المجمع بعد أيام. لماذا أخرجوا الفلسطينيين وأبقوا السوريين؟ سؤال سيفتح قريحة السوريين على “التحليلات” و”التوقعات” التي تذهب بعيداً كالعادة. المحاباة ذخيرة فاسدة طالب لجوء سوري يمتدح الطعام الفرنسي مشدِّداً على الكلمات أمام كاميرا يفترضها موجودة، قائلاً: طعام خمس نجوم، هذه فرنسا أرض حقوق الإنسان! تهمس إحداهنّ: كلّ هذا المديح لأجل الرّز المسلوق، ماذا سيقول لو قدّموا له الرّز بالشعيرية؟ تنفرج أسارير الحاضرين…

  • سماور ضحى عاشور, ألبستني كشجرة
    قضايا وحكايا

    ألبستني كشجرة.. سماور و حكايات و حب

    لمحة من أمي الكثيرة لكن لن أصدّق أن أحداً  بالحنين إلى يوم الخميس في سبعينيات القرن الماضي. حيث تقوم قيامة البيت قبل يوم العطلة الوحيد (الجمعة). صرير الغسالات اليدوية وبخار الماء المفعم بروائح “أدوية” الغسيل التي تتصاعد من برميل غلي الثياب البيضاء والطشوت المتعددة للتبريد والشطف والنقع بالنيلة. استنفار شامل، تُنزع الملاحف والأغطية والشراشف لتكشف عرّي المفروشات وألوان دواخلها وطراز تصاميمها، تتكوّم تلال من الألبسة بانتظار دورها الذي سيستهلك يوماً بطوله مع أعصاب الأولاد وتذمرهم من الطعام المتقشف كل خميس وضيقهم من رؤية ثيابهم العزيزة وقد رُميت أرضاً مع ثياب بقية الأخوة بحسب تسلسل الألوان دون اعتبار للخلافات البينية التي ستكسر خاطر تنورة الأخت وقد اعتلتها بيجاما الأخ الرياضية وجاورتها…

  • عن عذابات علي البدري, ضحى عاشور
    قضايا وحكايا

    عن عذابات علي البدري !

    وظائف الأمومة : قبل التلفاز، كانت الحكاية إحدى وظائف الأمومة، حتى أننا درجنا على نسخ مواضيع التعبير السنوية عن “عيد الأم” من كتب الإنشاء التي تزخر بتعداد موجبات تقدير الأم، فإذ بها إلى جانب سيل الخدمات التي تؤديها، لا تهمل واجبها الاجتماعي والوطني بزرقنا بحقن “الثقافة” عبر حكايات ما قبل النوم. كانت حكاياتنا مفعمة بالوعظ والأحكام. إحداها مثلاً حكاية “عروج ومروج” التي تشبه حكاية شعبية تونسية اسمها “أمي سيسي” حيث يتعاطف النهر مع القط ويجبر الآخرين كل بدوره على بذل ما يمكن لإنقاذه. أما في نسختنا السورية، فكانت العصا هي التي تنهض لتأديب الكسالى فيهرع الجميع إلى أعمالهم! وكانت الترنيمة التي ينبغي ترديدها قبل تمنّي الخير والأحلام السعيدة: العصا خرجت…

  • ضحى عاشور, الخالة فطينة
    قضايا وحكايا

    الخالة فطينة

    “روب دي شامبر”: هي من جيل سعى إلى موت هادئ في الستين من العمر، بعد أن يتزوج الأولاد ويمتلئ صحن الدار بالأحفاد، وبعد أن تكون هي و “الحجي” زوجها جالسين على شرفة مربع “العلّية” (غرفة النوم)، يشربان قهوة العصر، وهي في ثوب نومها الفيروزي المستتر تحت “روب دي شامبر”. لا تحب الخالة فطينة أن تتخلى عن هذه التسمية الفرنسية. تشعر أن فيها نوعاً من الرفاه والإيحاء، حيث تعتقد أن مصدرها عثماني من أيام “الحرملك”! بيضاء وشقراء: نشأت فطينة في عائلة حلبية فقيرة. لم تكن جميلة، لكنها كانت بيضاء وشقراء، ما يعني امتلاكها جواز مرور ربانيا باتجاه الترقي على درجات السلم الاجتماعي. فالخاطبات يعرفن ما الذي ينفع الذكور: وجه حلو ومؤخرة…