قضايا وحكايا

لاجئون سوريون في باريس، لم نقع في الحب بعد

ضحى عاشور– مثل الكثير من السوريين، أحفظ في رأسي صورة ذهنية نمطية عن باريس: عاصمة الآداب والفنون، الأناقة والموضة والعطور، الحب والرومانسية والحريات، وماذا عساه يريد الانسان أكثر…” هكذا بدأت “يارا” قصة شوقها إلى الحب وسط ضحكات وايماءات سوريين آخرين ساخرين من اخفاقاتهم الأولى.

الحب واللغة:

الحب لغة عالمية، هذا ما يقال، أما بالنسبة ليارا ” أكثر ما أحبطني في محاولات الحب هو اللغة، بأي لغة أفكر به؟ بأي كلمات سأتنهد وأشتكي لوعتي؟ قال لي اشتقت لك. بالفرنسية: تعني حرفياً أنت تنقصيني، أو أفتقدك أو أحتاجك. شيء ما يحتاج إلى شرح في قاموس مشاعري المحايدة تقريباً تجاه هذه العبارة التي تبدو مفعمة بالمعنى أكثر من اشتقت لك العربية. لكني لا أستطيع تذوقها ولا التمتمع بها، أجرب أن أقولها له، فتكرج بسهولة وسرعة كأي عبارة رد أحفظها، دون أن يتورّد خداي، دون أن يرتجف قلبي وأتلعثم وأنا أتورط في مغازلته”!

“في الحب تعود إلى ذاتك الأصدق إلى طفولتك وعفويتك” هكذا عبرّت سارة شارحة:”هل ينفصل الحب عن الأغاني، عن ذكريات الطفولة والولدنة، عن التعليقات المرحة والتلاعب بالكلمات؟! عن الرغبة الجامحة في الحكي الذي لا يريد أن ينتهي باستطراداته وتناقضاته؟! بعد لقاء أو اثنين أشعر بالسأم من الحديث الذي يأخذ طابع الترجمة والاستجواب ونحن وأنتم وعندنا وعندكم.. قال لي: حلوة مثل الشمس، كل صديقاتي اللواتي أغرموا أخبروني أنهن كن قمرات أحبتهن، وأنا بدوري كنت أنتظر أن يقول لي: يا قمري! انسي، فالأوربيون يحبون الشمس.
“حبيت جميل ويا ريتني ظله” هذه الجملة التي أسرتني منذ المراهقة ونذرت نفسي لمن سيستحقها، وغيرها ومثلها كيف سأقولها له؟
حاول أن يتقرب مني وحفظ من “غوغل” صباح الخير يا حلوة! لا تذكريني، كانت كارثة! شكر الله سعيكم، أرجوك لا تعيدها مرة أخرى، قلت في سرّي طبعاً. هل أخبركم عن الدم الذي تفجر في عروقي “مهانة” للحظات قبل أن ينقذني المترجم الآلي لأتأكد أنه كان يقصد صغيرتي عندما فهمت أنه يناديني بالبعوضة (الكلمة نفسها تحمل المعنيين المتضاربين). كلانا لجأنا إلى اللغة الانكليزية لنتفاهم حيث أنها منطقة وسط بيننا أكثر الفة ووضوحاً لنا معاً، ولكنها بكل الأحوال تبقى وسيطاً عاجزاً عن تبادل مشاعر كل منا بعيداً عن حميمية كلماته والتمطط المسترخي في حضن اللغة الأم.
أما سالم فهو لم يعد يبتغي غير السلامة في محادثاته مع صديقته الفرنسية، فهو يشتكي” تتحدث بسرعة البرق، تنتقل من موضوع إلى آخر تسأل وتجيب نفسها (كعادة الفرنسيين) ولا أعرف ما هو المطلوب مني بالضبط؟ أبتسم وأشعر أني أرتكب حماقات بأسئلة خرقاء، هي متسامحة ولطيفة ولكن كلما سألتني ما بك؟ أشعر أني صغير وضعيف فتتملكني الرغبة بالهرب”.

الحب والثقافة:

تقول سارة ” يتعانقون في أي مكان، على الأدراج المزدحمة وفي محطات المترو، داخل وسائل النقل وبالطبع في الشوارع والمقاهي…كأنهم يجدون العناق والقبلات من الاحتياجات التي لا تقبل التأجيل مثل الشعور بالعطش (إذ يمنع التمادي أكثر) ورغم أن هذه المشاهد أصبحت مألوفة لدي إلا أني لا أتوقع محاكاتها، تستدرك ضاحكة: الله لا يمتحنا!
لكن أكثر ما أثار اهتمامي أنهم يتقبلون الآخرين/ الغرباء الملونين منهم والمختلفين بالملامح والملابس، كانت هذه بشارة خير تؤكد أن الحب يستطيع تخطي الاختلافات والعقبات. طبعاً هذا لا يمنع من تحكم الصور النمطية بهم عن العرب والمسلمين. أخبرته أني لست مسلمة، مع ذلك يتابع: لكنك تعملين رمضان (تصومين) ولا تشربين الكحول؟! أشعر أنهم أقرب إلى الأجانب الآخرين بحكم قِدم تواجدهم في فرنسا واختلاطهم سوياً في المدارس والأماكن العامة بحيث نشأ بينهم تقارب ثقافي ونفسي، أما بالنسبة للعرب والمسلمين وخاصة في ظل الاعلام الانتقائي وحملات اليمين المتطرف، فهم تقريباً ضائعون وليس لديهم الميل ولا الدافع ولا الوقت للبحث عن الحقائق”.

تشارك يارا خيبتها ” هم يعتبرون التعارف الجنسي جزء من التعارف الضروري لقبول الآخر في العلاقة، وعندما سألني عن تجاربي السابقة وأخبرته أنه في ثقافتنا الاجتماعية والدينية والقانونية أيضاً يرتبط الجنس بالزواج، رغم وجود ظاهرة الجنس قبل الزواج لكنها مرفوضة بالعموم فمعظم الرجال إن لم يكن كلهم يريدون أن يكونوا الوحيدين في حياة المرأة الجنسية.

لم يستطع منع نفسه من الاستغراب والتشكيك بصدق ما أقول: ليس من المعقول أن يكون كل الرجال السوريين يستمتعون بدور المعلم، بالنسبة لي آخر شيء أريده أن أكون الأول، أنا أيضاً أريد أن أتعلم خبرات جديدة.. وهكذا انتهينا قبل أن نبدأ”
أما بالنسبة لسالم ” فالواحد لا يتعلم من إلا من كيسه” فبعد أن تحققت أمنيته ودعا الفرنسية إلى موعد استعد لأجله أكثر مما فعل مع امتحان السنة الأولى في الجامعة. سار التعارف بطيئاً لكنه مقبولاً وأظهر كرمه وترحيبه بصديقته فطلب المزيد من المشروبات مع الكاتو لكنه كان غافلاً عن أهم تفصيل في اللقاء الأول، حيث يُفترض أن يقبّل الحبيبة المستقبلية كعربون اعجاب وموافقة على بدء العلاقة. لكنه لم يكن يدري شيئاً عن هذا البروتوكول ولم يكن مستعداً له بصرف النظر عن رغبته به، فليس من عادته أن يظهر كعديم يقع بسلّة تين! “انتظرت عدة أيام علّها تقول شيئاً ولم تفعل، فبادرت إلى دعوتها لتجريب بعض المأكولات السورية، وهكذا تعرفت إلى “الشيشة” واستحسنت الفلافل وأحبت الشاورما، وفي كل مرة كانت تسألني هل تريد أن أدفع عن نفسي؟ فأجيبها بحماسة: لا أنا سأدفع، فتشكرني ضاحكة ممتدحة طيبتي وكرمي، وكنت أظن أننا نتبادل الاعجاب بهذه الطريقة، على حين فهمت هي أنها لم ترقني لكني أستمتع بدعوتها وصحبتها، وبعد فترة أخبرتني أنها تخرج مع شاب آخر، وأنها تأسف لأنها لم تستطع نيل اعجابي!”.

شاركت حنان الواصلة حديثاً بتعليق ” أحدهم أخبرني أنه لا يرتاح إلى الفتاة التي تلبس البنطلون وبوط الرياضة طيلة الوقت. قلت له أني لا أحتمل البرد هنا والمسافات طويلة..الخ لكني تمنيت لو عندي الجرأة واللغة لأخبره أنه لا يثير اهتمامي بشعره الذي لم تعرف الفرشاة طريقها إليه، خاصة وأن معظم الطلاب هنا يحلقون بأنفسهم أو بمساعدة أمهاتهم أو قريباتهم نظراً لغلاء أجرة الحلاقة والكسل وعدم المبالاة ربما” مع ذلك، أشعر أني مشدودة للتعامل مع الأجانب عموماً، فهم واضحون وصادقون ويعبرون عما يريدون دون حرج. ليتنا كنا مثلهم!

الحب والانتباه، ومضة الحب:

“تكونين مسرعة فتقعين فيسرع لانهاضك والاطمئنان على سلامتك، يمسك لك الباب لتعبري، يراك وحيدة فيقترب ويسألك ما بك؟ تغيبين عن الجامعة فيسألك عن السبب في اليوم التالي، تحملين الكثير من الأغراض فيساعدك… يعرف يوم ميلادك عبر مجموعة الفيس بوك المشتركة بينكما فيرسل تهنئة …الخ. أليست هذه اشارات الحب التي نعرفها؟! أليس الانتباه هو فاتحة الحب أو ومضة اندلاعه المحتملة؟! هنا يحدث كل ذلك ولكن، دون أن يعني شيئاً خاصاً! هذه كلها آداب، تقاليد عريقة يمارسها الجميع بعفوية أقرب إلى الفطرة، حيث يشيع مناخ أخوي مريح ولطيف وكابح لتفجر المشاعر في الوقت ذاته، أخوي لدرجة أنه لا ينظر إليك، وكأنه يقوم بأي من هذه الأفعال مع اللا أحد، مع المحيط الاجتماعي الهلامي العام.

هنا تنتشر ثقافة غض البصر قولاً وفعلاً، حيث تُعتبر مراقبة الآخر أو النظر إليه نوعاً من الاعتداء على خصوصيته، فقط إن كنت بحاجة مساعدة فستمتد الأيدي وتقوم بما تسمح/ين به وتختفي دون أن تنتظر حتى الشكر. هذه احدى النعم الأصيلة هنا والتي تحمل الكثير من الدلالات المختلفة عن الحب الفردي، هذا ما أجمع عليه سالم ويارا وسارا. ومازالوا حائرين: ترى هل الحريات والفضاء المفتوح الذي يعد بفرص وفيرة هو الذي يؤجل استسلامنا لبوادر عابرة لا تلبي تطلعاتنا؟ هل هو النضج الشخصي الذي يجعل خياراتنا واندفاعاتنا أقل جموحاً؟ هل همومنا وانشغالنا بوضعنا كلاجئين يقودنا إلى الاهتمام باثبات الذات في مجالات أخرى؟ وما علاقة انكساراتنا وآلامنا بالخوف من المجازفة؟
ورغم ذلك، نعرف أننا نحتاج أن نحب وربما أكثر من أي وقت نحتاج أن نكون محبوبين، لكن كيف سنتعثر بالحب ومتى سيعثر علينا؟!
يسألنا الأصدقاء في سوريا، كيف الغرام مع الفرنسيين؟
نجيب على الطريقة السورية الملتبسة: غير شكل!
ــ ملاحظة: بعض السوريين يعيشون علاقات حب مع آخرين سوريين أو فرنسيين أو من جنسيات مختلفة. وبعض الشباب الذكور اعتذروا عن الخوض في الموضوع رغم الوعد بعدم ذكر أسمائهم الصريحة.

 

01/03/2018

أصوات العدد السادس

لقراءة العدد السادس اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *