ع البال

في معنى أن تكوني جَدّة

بداية الحكاية

شاءت الأقدار أن أكون مصابة بكريب حاد يوم ولادة ابنتي، لم أرافقها إلى المشفى ولم ألمسهما (ابنتي ديانا وحفيدتي ميلا) لخمسة أيام متتالية. كنت أزورهما في المشفى مع كافة الاحتياطات بما فيها ترك مسافة أكثر من متر بيننا خشية أن تسري العدوى من جسدي المتعب إلى جسدين حبيبين في أضعف حالتهما.

كنت أبدّد توتر الانتظار بالطبخ، عندما وصلني اشعار رسالة من صهري (جوناتان)، أسرعت إلى تلفوني لأجد أمامي “اللوحة الخالدة” حفيدتي في حضن أمها! ثواني من الذهول والانفعال، أمواج من المشاعر المختلطة تتدفق متلاطمة تهّز كياني، انتبهت أني و(جو) نكتب ببطء ولا تخرج سوى بضع صيحات وكلمات، كنا نتأمل المشهد ذاهلين، لا نستطيع أن نبعد نظرنا عن البنت وأمها. لن أنس ما حييت تلك اللحظات، وكأني كنت أسبح في حلم. حتى الآن، لا أستطيع تصديق تلك المعجزة، مرات كثيرة أعدت اللقطات الأولى والفيديوهات التي تخص ولادة ميلا، ومازلت عاجزة عن وصف تلك الرعشة المباغتة التي اجتاحت أعماقي وحركت كوامن كنت أجهلها في نفسي. أطفأت نار الطبخ، لأتمكن من السيطرة على نيراني التي دفعتني لارتداء ملابسي والركض في الشارع، مررت بمحلات الثياب واشتريت دون حساب، أعطيت المرأة التي أتجنبها عادة كل الفراطة التي كانت معي…يعرف المروجون والمتسولون كيف يخرجون النقود من حقائب المبتهجين!

في اليوم الخامس، وصلت ميلا إلى بيت والديها، زغردت وحملتها لأول مرّة، واغتنمت لحظة فتحت فيها عينيها الحلوتين لأقدم نفسي لها. وجدتني أقول: أنتِ ميلا وأنا ضحى… كان هذا التعارف العفوي بداية عهد بيننا: صديقتان دون ألقاب أو تراتبيات، روحان تتناغمان وتتحابان وتتعانقان في فضاء المحبة الغامر الذي يحلّق فيه الثنائي الآسر (ديانا وجوناتان).

غيمات اللطف

لم تأتي ميلا لوحدها إلى البيت، أتت محملة بسحب اللطف والوداعة والرّقة، نتحدث بصوت خافت وبالايماءات والابتسامات غالبَا، نتحرك بخفة وحذر، نسبح في عالم الموسيقى الهادئة أو في ملكوت الصمت بانتظار صحواتها، رائحتها وحدها تعبق في المكان (أولى تضحياتنا لأجل ميلا، تخلّت ديانا وجو عن شغفهما بالعطور، وأنا استبعدت كل منتجات النظافة من التداول)، ألوانها هي التي تملأ المكان، ثيابها وألعابها وسريرها المتنقل بين غرفة النوم والصالون، حياتنا تسير على إيقاع متطلباتها، ننام ونأكل ونتسوق ونقضي حاجياتنا بناء على توقيتها الخاص. وعندما تنام، تجدنا متحرقين لصحوتها علّنا نكتشف شيئَا جديدَا عن هذا الكائن الساحر. أغرق في أمنياتي وتخيلاتي وأنا أرتب خزانتها، وأنا أتشارك المشاعر القلقة مع ابنتي المتعبة من الولادة والارضاع والهرمونات والمأخوذة بعظمة الخلق والانجاز لدرجة أنها تعيد ترتيب خططها للمستقبل حتى وهي في غاية الانهاك.

كريمات الجدة

لم أعتد على استخدام مساحيق التجميل وأتعامل مع الضروري الذي يضمن النظافة والنعومة فقط. مع ميلا، أعاود اكتشاف رغبتي بأن أكون جميلة ونضرة وناعمة في كل لحظة وكأني على موعد غرامي لأول مرّة، أحرص ألا أثير أي شعور من النفور عند حبيبتي الصغيرة. أجدني ألبس أجمل ما عندي، أحرص على تناسق ديكور البيت رغم امتلائه بأغراض الملاك والمالكة الجديدة، معقمات ومرطبات اليدين أصبحتا رفيقاتي، كريمات البشرة لا تفارقني، حتى أني أفرشي أسناني أكثر وأبتعد عن الطعام قوي النكهة، أكثر ما أبحث عنه في النت يخصّها هي، ألعابها، تطوراتها… نقاشاتنا وجدالاتنا، أفراحنا الصغيرة، متاعبنا وأمنياتنا كلها تدور في فلك شمسنا الناعمة التي أشرقت يوم 21 أيار2025.

ميلا في حضني وأنا أغنّي

الهدهدات والأغاني

“يلا تنام، يلا تحب السلام… تا اهديلا طير الحمام”، أعود إلى تدريبات الصوت، لا أريد أن أخدش مسامعها البكر. أحوّر كلمات الأغاني وأجهد في غربلة الحكايات وتنقيتها من مخلفات العنف والتمييز والحمولات الثقيلة للوعظ والتنميط والوصم… لأجد أن أمامنا الكثير من العمل لتجديد موروثنا الجميل عموماً.

ميلا في السرير وأنا أستعيد حماستي للتغيير

يرَق قلبي كلما راقبت كائنًا يغّط في النوم، فكيف الحال إذا كان طفلة وميلا تحديدًا. عندها أوّد لو أستطيع أن أطوّع العالم لرعايتها واحتضانها كما يليق بها وبأمثالها من الأطفال. أفتح تلفوني لتطالعني أخبار ومشاهد الحروب والدمار والقتل والخطف والفقر ناهيك عن العنف اللفظي والمعنوي… ينهض “المارد” المختفي داخلي منذ زمن فأستعيد حماستي للمشاركة في التغيير. لا أريد لعينيّ ميلا المعبودتين أن تنفتحا على هذا القبح .

ليس لي أن أستريح إلى يقين أن ميلا تعيش في باريس وأنها بمنأى عن الشرور نوعّا ما! نعم، هنا الحال أقل سوءً فقط. لكن العالم مترابط ومتشابك بصورة لا يمكن معها الفكاك من تبعات ما يحدث في أي بقعة فيه. مع وجود ميلا، بدأت أتابع قضايا تخصّ الأطفال في فرنسا بلد الرفاه مثل نقص عدد حضانات الأطفال وفساد بعض أنواع حليب الرّضع وارتفاع أسعار الحفاضات ومستلزمات الأطفال عامة، ولا يخلو الحال من فضائح التحرّش وسوء المعاملة أحيانًا. ناهيك عن نمط الحياة والعمل هنا، حيث يعمل الأهل ساعات طويلة ويبقى الأطفال وديعة بين أيدي مساعدات اضطر معظمهن لاختيار المهنة التي لا تشترط أية مهارات أو قدرات تذكر. كل صباح، يجرحني أن أكون شاهدة على وداع صهري لطفلته ميلا واعدًا إياها: إلى اللقاء مساء! فتعلو صرخاتها في الممَر محتجة راجية ألا يتركها (بالكاد تراه ساعة في أيام الدوام). علمًا أن ميلا محظوظة، لأن أمها اختارت أن تتنازل مؤقتًا عن عملها وتغامر بعمل آخر من المنزل بغية أن تبقى معها ما أمكن.

ميلا تتواصل وأنا أتفاءل

الابتسامة الأولى

في عمر الشهرين، فاضت ميلا بالابتسامات تلاها الضحكات، مزاجها حلو ورائق، لكنها مثل كل الأطفال تستسلم لنوبات تفريغ الغضب المسائية وتعاني تقلبات طفرات النمو وآلام ظهور الأسنان… عادة، نحاول تبديد معاناتها وتهدئتها بما يعرف بالضوضاء البيضاء، اعتمدنا صوت الماء الجاري الرتيب بعد أن استهلكنا طاقتنا في تكرار حرف الشين (ششششش) وكأنه تعويذة نجاة أو سبحة ناسك تدور بلا نهاية. أحيانًا، أجرّب أن أدندن أغانيها المفضلة بهمس ناعم قرب أذنها، فتخرج من دوامة غضبها ترفع اللهايّة عن فمها لتريني ابتسامتها معبرّة عن امتنانها باذلة الغالي والنفيس (التخلي عن اللهايّة) لأجل لحظة تواصل بيننا. كَمَنْ يرفع قبعته تقديرًا لبادرة أو انجاز ما!

اذن، بهذه البساطة والعفوية يمكن للبشر أن يتواصلوا، وبهذه السلاسة يستطيع الانسان التنازل للحظة عما يريحه لأجل تقدير مساعي الآخر واسعاده!

عالم الأطفال

تروى الحكايات عن الأميرات وتفيض الهدهدات والأغنيات بمفردات القمرات الجميلات الغنيات الشقراوات النائمات الكسولات… لكن ميلا وقعت في غرام شاحنات الزبالة ورافعات البناء. في الواقع، ينحاز الأطفال إلى الحركة والنشاط ويفضلون التعامل مع الملموس والمحسوس الواقعي رغم إرادة صناع المحتوى وتجار مستلزمات الأطفال غير اللازمة. حبيبتي الصغيرة، لم تركن إلى الدمى الصغيرة ذوات الوبر أو الأقمشة الحريرية الملمس المساعدة على النوم. هي بفطرتها الطبيعية تهدأ وتستكين بملامسة أيدينا أو صدورنا أو أي جزء مكشوف من أجسادنا تستمد منه الرائحة المألوفة والنبض المهدئ والدفء الإنساني. يسكنني الايمان ببساطة عالم الأطفال وغناه وعفويته ووضوحه وسأظل أدافع عنه ما استطعت.

معنى أن تصبحي جَدّة

تحيلنا المفردة المتداولة (جَدّ و جَدّة) إلى النهايات، على حين أدرك يومًا بعد يوم أن ثمّة علاقة وثيقة بين المفردة ومعنى الجِدّ والمثابرة والعمل المسؤول والصبر، كما مع معنى التجدّد الذاتي الروحي النفسي والفكري بل والجسدي وتجديد المحيط على تنوعه وتشعبه.

أمضيت عمرًا في العمل في الشأن العام، لكني مع ميلا، أكتسب وأفطن إلى مهارات جديدة في التعامل والتواصل والصبر والتنازلات والمفاوضات للوصول إلى تفاهمات حول انجاز صغير ليعّم التناغم والسلام بشأن واحدة من شؤون الكون المحيرّة: أن تهدأ عند قصّ الأظافر مثلًا أو تكّف عن اختلاس النظر إلى الشاشات أو ملاحقة أسلاك الكهرباء واستكشافها بالرادار الفموي … ولأن ليست ذاكرة الأظفال وحدها القصيرة، علينا أن نعيد ونزيد بمختلف الأشكال والأساليب كل البديهات والأساسيات وأن نبتكر طرائق ونجدّ في البحث عن الممكنات.

ميلاتي، نعمة حياتي

طالما شعرت بالامتلاء والاكتمال والاكتفاء بوجود مدّللة قلبي ابنتي ديانا. لم أكن أتوّقع أن تفاجأني الحياة بهذه النعمة الأثيرة، حفيدتي ميلا، التي فجرّت ينابيع الحب من حيث لم أحتسب، معها أصبح العالم رفيقًا والوجود خفيفًا محفزًا، حتى أني أصبحت أحبّ ابنتي و صهري (ابني الحلو) بمزيد من الحنان والافتتان بعذوبة وسلاسة تكيّفهما مع وضعهما الجديد كأمّ وأبّ.

ميلاتي، بلسم خيباتي، مغيرّة حياتي.

المعروف الشائع أن الطفل|ة يحتاج إلى جدّته، لكن لم أكن أدرك مدى احتياج الجَدة للحفيدة/ والحفيد ربما. إنها نعمة أن تهبك الحياة فرصة تجديد نفسك وعيش كل مشتهى أو مؤجل أو مهمل أو غير معروف، غبطة أن تكافئ نفسك وتتصالح معها وتحبها لأنها مازالت قادرة على اللّهو والدهشة والتسامح والاستكشاف كالأطفال ومعهم.

هذا العام، استثنائي بالنسبة لي، أكتب احتفالاً بعيد ميلادي وبعيد الأم (عيدي وعيد ابنتي الأم الجديدة) بحضور ميلا العصفورة التي أهدتني قبل أيام لقب: تيتة!

One Comment

  • فيكتوريا جابلي

    استمتعت وابتسمت وهدأ “سعالي الجاف” حتّى، أمام كل هذه الرقّة. كل عام وأنتِ الجدّة-الأم، والأم الصديقة، ضحى!

اترك رداً على فيكتوريا جابلي إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *